الشيخ محمد رشيد رضا

273

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما وهب اللّه فاتصال الحسنة باللّه ظاهر ، ولا يفصلها عنه فاصل لا ظاهر ولا باطن . وأما إذا أسأنا التصرف في أعمالنا ، وفرطنا في النظر في شؤوننا ، وأهملنا العقل وانصرفنا عن سر ما أودع اللّه في شرائعه ، وغفلنا عن فهمه ، فاتبعنا الهوى في أفعالنا ، وجلبنا بذلك الشر على أنفسنا ، كان ما أصابنا من ذلك صادرا عن سوء اختيارنا ، وان كان اللّه تعالى هو الذي يسوقه الينا جزاء على ما فرطنا ، ولا يجوز لنا أن ننسب ذلك إلى شؤم أحد أو تصرفه . ونسبة الشر والسيئات الينا في هذه الحالة ظاهرة الصحة فأما المواهب الإلهية بطبيعتها فهي متصلة بالخير والحسنات وانما يبطل أثرها اهمالها ، أو سوء استعمالها ، وعن كلا الامرين يساق الشر إلى أهله وهما من كسب المهملين وسيئ الاستعمال فحق أن ينسب إليهم ما أصيبوا به وهم الكاسبون لسببه فقد حالوا بكسبهم بين القوى التي غرزها اللّه فيهم لتؤدي إلى الخير والسعادة وبين ما حقها أن تؤدي اليه من ذلك وبعدوا بها عن حكمة اللّه فيها وصاروا بها إلى ضد ما خلقت لأجله ، فكل ما يحدث بسبب هذا الكسب الجديد فأجدر به أن لا ينسب الا إلى كاسبه « وحاصل الكلام في المقامين أنه إذا نظر إلى السبب الأول الذي يعطي ويمنع ويمنح ويسلب وينعم وينتقم فذلك هو اللّه وحده ولا يجوز أن يقال إن سواه يقدر على ذلك ومن زعم غير هذا فهو لا يكاد يفقه كلاما لان نسبة الخير إلى اللّه ونسبة الشر إلي شخص من الاشخاص بهذا المعنى مما لا يكاد يعقل فان الذي يأتي بالخير ويقدر على سوقه هو الذي يأتي بالشر ويقدر عليه فالتفريق ضرب من الخبل في العقل « وإذا نظرنا إلى الأسباب المسنونة التي دعا اللّه الخلق إلى استعمالها ليكونوا سعداء ولا يكونوا أشقياء فمن أصابته نعمة بحسن استعماله لما وهب اللّه فذلك من فضل اللّه لأنه أحسن استعماله الآلات التي منّ اللّه عليه بها فعليه أن يحمد اللّه ويشكره على ما آتاه ، ومن فرط أو أفرط في استعمال شيء من ذلك فلا يلومن الا نفسه فهو